سيد محمد طنطاوي
354
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
تجرى من تحتها الأنهار . ومن رضا اللَّه عنهم . أي : إلى النعيم الجثمانى المتمثل في الجنات وما يتبعها من عيشة هنيئة ، وإلى النعيم الروحاني المتمثل في رضا اللَّه عنهم . قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب . وحقيقة الثواب : أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : * ( لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم ، وقوله * ( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) * إشارة إلى الدوام . واعتبر هذه الدقيقة : فإنه أينما ذكر الثواب قال * ( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) * وأينما ذكر العقاب للفساق من أهل الإيمان ، ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأييد ، وأما قوله : * ( رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْه ) * فتحته أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا اللَّه من أهلها » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية الدالة على شمول ملكه لكل شيء في هذا الكون فقال : * ( لِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما فِيهِنَّ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * أي : للَّه - تعالى - وحده دون أحد سواه الملك الكامل للسموات وللأرض ولما فيهن من كل كائن وهو - سبحانه - على كل شيء قدير لا يعجزه أمر أراده ، ومن زعم أن له شريكا - سواء أكان هذا الشريك عيسى أم أمه أم غيرهما - فقد أعظم الفرية وتسر بل بالجهل ، وكان مستحقا لخزي الدنيا ، وعذاب الآخرة . وقال - سبحانه - * ( وما فِيهِنَّ ) * فغلب غير العقلاء ، للإشارة إلى أن كل المخلوقات مسخرة في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها . إذ أن قدرة سائر المخلوقات بالنسبة لقدرة اللَّه كلا قدرة . وإن هذه الآية الكريمة ، لمتسقة كل الاتساق مع الآية التي قبلها ، لأنه - سبحانه - بعد أن بين جزاء الصادقين في دنياهم عقبه ببيان سعة ملكه ، وشمول قدرته الدالين على أن هذا الجزاء لا يقدر عليه أحد سواه - سبحانه - . وإن هذه الآية الكريمة - أيضا - لمتسقة كل الاتساق لأن تكون خاتمة لهذه السورة التي ساقت ما ساقت من تشريعات وأحكام وآداب وهدايات ومن حجج حكيمة ، وأدلة ساطعة دحضت بها الأقوال الباطلة التي افتراها أهل الكتاب - . خصوصا النصارى - على عيسى وأمه مريم ، وبرهنت على أن عيسى وأمه ما هما إلا عبدان من عباد اللَّه ، يدينان له بالعبادة والطاعة والخضوع ، ويأمران غيرهما بأن ينهج نهجهما في ذلك .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 138 المطبعة البهية .